تخيّل محطة إذاعية في العصر الرقمي تجمع بين دفء الماضي التناظري
ودقة الحاضر الرقمية بتناغمٍ كامل.
إنها إذاعة ويفانك – ومقرها مونتريال –
التي تحافظ منذ عام 1996 على أنقى صور ثقافة الفانك والسول والهيب هوب.
لكنها ليست مجرد بثٍّ موسيقي،
بل حارسٌ للثقافة وأرشيفٌ حيٌّ وثورةٌ صوتية.
وُلدت ويفانك كمشروعٍ طلابي في جامعة كونكورديا عبر محطة CJLO الجامعية.
في منتصف التسعينيات كان البث عبر الإنترنت في بداياته،
لكن اثنين من عشاق الموسيقى – دي جي ستاتِك والأستاذ غروف –
أرادا إيصال الطاقة المشتركة بين الفانك والهيب هوب إلى الناس.
انطلقا برؤيةٍ تؤمن بأن “الغروف لا يعرف حدوداً.”
وسرعان ما تجاوزت التجربة جدران الجامعة لتصبح ظاهرةً عالمية،
حتى غدت اليوم محطةً تصل إلى آلاف المستمعين حول العالم
ببثوثها الحية وأرشيفها الرقمي،
مستمرةً دون انقطاعٍ منذ أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً —
لتكون واحدةً من أطول الإذاعات المستقلة عمراً في تاريخ الفانك والهيب هوب.
بدأت القصة عام 1996 في استوديو صغير،
حين كان دي جي ستاتِك متأثراً بساحة الهيب هوب السرّية،
بينما كان الأستاذ غروف جامعاً مهووساً بأسطوانات الفانك والسول الكلاسيكية.
قرر الاثنان مزج قوتين من حقبتين مختلفتين:
طاقة السبعينيات الفانكية وروح التسعينيات الهيب هوبية.
في البداية استمع بضعة طلاب فقط،
لكن الأصالة والروح في اختياراتهم سرعان ما جذبت جمهوراً أوسع.
ومع دخول الألفية، بدأ البث عبر الإنترنت،
فتحوّلت ويفانك من إذاعة محلية إلى منصة غروف عالمية.
تعتمد ويفانك على نظام بثٍّ رقمي بالكامل دون أي ترددٍ أرضي.
يُبث الصوت بجودة عالية، لتُسمَع بنفس الصفاء أينما كنت.
يمكن الاستماع عبر موقعها الرسمي wefunkradio.com على مدار الساعة،
كما تتوفر أكثر من ألف حلقةٍ أرشيفية على سبوتيفاي وميكس كلاود وآبل بودكاست.
وتُخزّن الإذاعة كل بثٍّ منذ عام 1999 في خوادمها الخاصة،
ما يجعلها متحفاً رقمياً للموسيقى بحق.
وهي متوافقة مع الأجهزة الذكية والهواتف المحمولة،
ومدعومة من شبكات البث الرقمية المستقلة في كندا.
تقوم فلسفة ويفانك على إزالة الحدود بين الأنماط الموسيقية.
كل حلقة أشبه بدرسٍ ممتع:
تُعلّم تاريخ الفانك، وعاطفة السول، وروح الهيب هوب –
لكن دون رتابةٍ أكاديمية، بل بإيقاعٍ حيٍّ يُلهب الجسد والعقل معاً.
تُقدَّم البرامج عادةً على شكل عروضٍ حيّة لمنسقي الموسيقى،
حيث تُدمج التسجيلات الأصلية للفانك والسول مع عيناتٍ من الهيب هوب.
فقد تبدأ الحلقة بأغنية جيمس براون – The Payback
ثم تنتقل بسلاسة إلى مقاطع من ذا روتس أو أ تريب كولد كويست.
تنقسم الحلقات عادةً إلى ثلاث فئاتٍ رئيسية:
ساعة الفانك الكلاسيكي: تسجيلات الستينيات والسبعينيات.
عصر الهيب هوب الذهبي: كلاسيكيات الساحل الشرقي والغربي في التسعينيات.
حكايات السول: تكريمٌ لأساطيرٍ مثل أريثا فرانكلين وكرتيس مايفيلد.
في قلب الإذاعة يقف اسمان أسطوريان:
الأستاذ غروف ودي جي ستاتِك.
الأستاذ غروف: قيّم أرشيف الفانك والسول،
يُعرف بشغفه بالأقراص الفينيلية النادرة التي يقدمها في كل حلقة.
دي جي ستاتِك: خبير الهيب هوب والإيقاعات الراقصة،
يمزج الجذور القديمة بالإبداعات الحديثة ببراعة.
وينضم إليهما أحياناً ضيوف من كندا والولايات المتحدة وأوروبا،
ليقدّموا مجموعاتٍ خاصة تضيف تنوعاً وثراءً للبرامج.
في هذه الجلسات لا تُبث الأغاني فقط،
بل تُروى قصصها — قصص أحياءٍ، وثقافاتٍ، ونضالاتٍ.
وهكذا تتحول ويفانك إلى سلسلة وثائقية موسيقية حيّة.
منذ انطلاقها، وضعت ويفانك الوعي الاجتماعي في قلب رسالتها.
تتناول برامجها أصول الموسيقى الإفريقية وتأثيرها في العدالة والمقاومة،
وتسلّط الضوء على مسيرة الفنانين السود في مواجهة التحديات.
من خلال برامج خاصة بعنوان الموسيقى السوداء مهمة،
تحتفي الإذاعة بإسهاماتهم في بناء هوية الموسيقى الحديثة.
كما تنظّم في مونتريال ورشات مؤسسة الفانك لتدريب الشباب على فنون الدي جي والإنتاج الموسيقي،
لتغدو مدرسةً ثقافية بقدر ما هي إذاعة.
دمجت الإذاعة بين الموقع الإلكتروني ووسائل التواصل بسلاسةٍ مميزة.
يمكن للمستمعين الاستماع إلى الحلقات السابقة،
واستعراض قوائم الأغاني بالتفصيل،
والمشاركة في محادثاتٍ مباشرة مع الفريق.
كل حلقة مؤرشفة بعناية — مع ذكر الفنان، والألبوم، وسنة الإصدار، والنوع —
مما يجعلها مرجعاً لا يقدّر بثمنٍ للباحثين في تاريخ الموسيقى.
ويشارك الجمهور عبر الوسم #ويفانك بقوائمهم الخاصة،
لتتشكل بذلك عائلة عالمية ترقص على التردد نفسه.
أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً من البث المتواصل المستقل.
جسرٌ يجمع بين الفانك والسول والهيب هوب في توليفةٍ فريدة.
قائمة يديرها أسطورتان عاشقتان للموسيقى: الأستاذ غروف ودي جي ستاتِك.
أرشيف ضخم مفتوح ومجاني — من أجل حفظ الذاكرة الموسيقية.
منصة تُعلّم التاريخ والهوية والوعي الثقافي من خلال الإيقاع.
لهذه الأسباب، تُعد ويفانك أكثر من محطة إذاعية،
إنها ذاكرة الغروف العالمية.
تقدّم ويفانك أنقى صور الموسيقى الإنسانية،
تأخذك من خشخشة الأسطوانات القديمة إلى حرية الهيب هوب المعاصر،
حيث يلتقي دفء الماضي بطاقة المستقبل.
ولكل من يصغي إليها،
ليست ويفانك محطةً للبث،
بل إيقاعُ حياةٍ يُعاش.
وفي نهاية كل حلقة،
يُقال دائماً:
“ابقَ متصلاً… فويفانك للأبد.”